صفعة على الوجه، وقوة المشاعر
كالعادة مسندة بالأبحاث
مرحباً بكم في موضوع فَذلَكة لهذا اليوم.
"المرير" و"التجاعيد" و"فلوريدا" و"وحيداً".
يدخل المشاركون في الدراسة إلى القاعة، تُعرض عليهم تلك الكلمات التي ليست بالسيئة على وجه التحديد ومزيداً منها. لكنّها، تتناسب مع نمط معين، نمط كبار السن. ينتظر جون بارج ومساعدوه بحماسة وترقّب. فهذه هي المرحلة المحدّدة لنتيجة واحدة من أكثر الدراسات تأثيراً.
نعم، ما كان يتوقعوه حدث!
قام المشاركون في تلك الدراسة بعد تعرّضهم لمجموعة من الكلمات التي تدفع للتفكير بفئة نمطية من الناس (كبار السن هنا) بالتصرّف بطريقة تشابه طريقة هذه الفئة. كانت الكلمات بسيطة جداً مثل:
حيث لاحظ بارج ومساعدوه أنّ المشاركون في الدراسة مالوا للسير ببطئ أكثر عند مغادرتهم التجربة. لاقت هذه الدراسة صدىً واسعاً. وعلى الرغم من وجود بعض من يختلف معها إلَا أنّ التجارب تستمر بتأكيد ما توصّل إليه الباحثون حينها عام ١٩٩٦.
تؤثر الكلمات التي نتعرض لها على سلوكنا حتى ولو لم نكن ندرك ذلك. ولو بشكلٍ بسيط!
إذا كنت تقرأ فَذلَكة لأول مرّة أتمنى أن تنال إعجابك، وأتمنى أن تقرأ الموضوعات السابقة وتتابع الموضوعات اللاحقة عن طريق الاشتراك مجاناً في القائمة البريدية:
وإذا رأيت موضوع اليوم مهماً أدعوك لمشاركته مع من تحبّ:
لكن ماذا عن الصفعة التي تحدّثت عنها أعلاه؟
يرى الفارابي مؤسس الفلسفة الإسلامية أنّ “الإنسان هو حيوان اجتماعي بطبعه”. ويعتمد على التعاون والعلاقات الشخصية المتغيّرة باستمرار من أجل البقاء والتطوّر. ولعلّ أهم طريقة يمكن أن نتواصل بها هي عبر المحادثات والكلمات. تساعدنا على فهم الآخرين والتواصل معهم.
يمكن للكلمات أن تؤذي، لكننا لا نعرف سوى القليل عن كيفية تأثير الكلمات عندما يتعامل الشخص مع الإهانة.
"إن الطريقة الدقيقة التي يمكن بها للكلمات أن تنقل حمولتها الهجومية والسلبية العاطفية في لحظة قراءة هذه الكلمات أو سماعها ليست مفهومة جيدًا حتى الآن،"
بحسب الباحثة المؤلّفة لهذه الدراسة المنشورة في Frontiers in Communication، الدكتورة مارين ستريكسما، من جامعة أوتريخت.
ولأنّ الإهانات تشكل تهديدًا لسمعتنا ونظرتنا لذاتنا، فإنّها توفر فرصة فريدة للبحث في التفاعل بين اللغة والعاطفة.
وخلصت تلك الدراسة إلى أنّ الألفاظ المُهينة مثل “غبي” يكون أثرها على دماغ المتلقي كأثر صفعة خفيفة على الوجه!
كيف تستخدم الكلمات لتحسين مشاعرك
“أنت رجل، الرجال لا تخاف”.
“هل يعقل؟ هل أنتِ بجد حزينة لأنّكِ فقدّتِ هذه الدمية؟ إنّها مجرّد دمية! سنشتري دمية غيرها”
سمعت بالطبع هذه الكلمات خلال حياتك. لربما من أهلك أو حتى ممن حولهم. لا تسيء فهم فكرتي. ليس الهدف نقد تربيتك أو تربيتي، حيث عمل أبي وأبوك وأمّي وأمّك على مراعاة مشاعرنا قدر الإمكان ومساعدتك في فترات الحزن والخوف. لكن علينا ألا ننسَ أنّ لكلٍ أسلوبه. لكن ماذا تقول الأبحاث عن الأسلوب الأمثل للتعامل مع المشاعر؟ ولماذا قد يهمّك ذلك أصلاً؟
سأعرض لك كالعادة أموراً يمكنك الاستفادة منها، فهذا هدفي من النظر في الأبحاث بالدرجة الأولى. ليس البحث عن الترف العلمي والتعمّق في الأبحاث التي قد لا تفيدني أو تفيدك. بل البحث عن الطريقة التي يمكن فيها للأبحاث العلمية أن تحسّن حياتي وحياتك.
بحسب الأبحاث التي وقعت يدي وعيني عليها، ومن خلال قراءتي في كتاب Brain Rules for Babies للبروفيسور جون مدينا، عالم الأحياء الجزيئي التطوري والمختص في مجال تطوّر الدماغ عند الأطفال: يجب التأكيد على فكرتين مهمتين فيما يتعلّق بالمشاعر:
يجب عليك فهم مشاعرك وإدراكها بشكلٍ جيد
يجب نقل هذه المشاعر من مجرد إدراك إلى كلام لفظي أو مكتوب.
إدراك المشاعر
وعلى أنّي ما زلت أبحث في أمور المشاعر وأهمية إدراك ما يشعر به المرء إدراكاً يمكنّه من التعرّف الجيّد على ما يكمن وراء الحالة أو الموقف الذي يعيشه. إلّا أنّني يمكنني أن أعرض خلاصة ما جاء في كتاب البروفيسور مدينا عن المشاعر:
كما رأيت فإنّ الجمل في بداية هذه الفقرة هي ليست الجمل المثالية للتعامل مع مشاعرك. بعضنا يتهرّب من مشاعره ظناً منه أنّها ستختفي. وبعضنا يمسك هاتفه المحمول ويبحث عن شيء يلهيه. بينما يقوم الآخر بوضع قائمة محدّدة جداً من المشاعر المسموح التعبير عنها وظهورها (كالسعادة والحب) ومثلها للمشاعر الممنوعة (كالخوف، القلق). ولكن ثبت وللأسف فشل كل طرق عدم التعامل مع تلك المشاعر وإخفائها. ولا ريب بأنّ هذه المشاعر ستظهر في وقتٍ ما لاحقاً، وغالباً في وقتٍ ليس مناسبٍ أبداً.
لعلّك تتذكّر غضبك الأسطوري على السائق الذي كان قبلك ولكنّه يقود ببطءٍ قليلاً. تزيد السرعة، تقترب منه كثيراً، تقوم بتشغيل الأضواء من خلفه، لعلّه ينتبه لخطئه الفادح. لا ينتبه، تضغط على الزامور (البوق) ضغطةً طويلة ترسل له من خلالها شتيمة لا يعرف معناها إلا الله! يخبرك صديقك الذي يجلس بجوارك، “ما بك؟ لسنا على عجلة!” ترجع إلى المنزل وبعد أن تهدأ، تقول في نفسك: “لماذا فعلت ذلك أصلاً، لم أكن على عجلة!؟”
هل يبدو هذا السيناريو مألوفاً؟ أتوقع نعم. هذا وغيره من الحالات التي تظهر فيها مشاعرك التي تحاول كتمانها.
تحويل المشاعر إلى كلمات
يمكن أنّ نتدرّب على هذا الأمر. يمكنك البدء من الآن بالتعرّف على المشاعر التي تشعر بها عند قراءتك لهذا المقال، مثلاً: الفرح، السعادة، الامتنان (أتمنى ذلك!) أو الكره والحزن (لا بأس المهم أن تعرف ما تشعر به). ثم تسأل نفسك:
“هل هذا حقاً ما أشعر به؟”
“لماذا أشعر بهذا الشعور؟ ما الدافع يا ترى؟”
أعد هذه الأسئلة في كلّ مرةٍ تتعرّض فيها لموقفٍ يأجج فيك مشاعراً ما.
ثمّ حوّل هذه الأسئلة إلى كلمات تقولها لزوجك، لصديقك أو حتى لنفسك. ولعلّ من أفضل الطرق لتحويل المشاعر إلى كلمات هي كتابة مذكراتك وسؤال نفسك تلك الأسئلة كبداية لمذكرة اليوم مثلاً!
ويجب التنويه أنّ هذا الأمر على بساطته فإنّه من أصعب الأمور بالنسبة للشخص غير المتمرّس، ويحتاج إلى وقتٍ وإصرار. لكن مع الوقت ستصبح جيداً في هذا الأمر وسيحسّن ذلك بشكلٍ كبير إدراكك وتعاملك مع من حولك ومع نفسك!
وكملاحظة أخيرة مهمة: ليس عليك تعرية مشاعرك أمام كل من تجده أمامك. الهدف ليس الإحراج ولا تحوّل المرء إلى شاعرٍ أو شخصٍ عاطفي! بل وببساطة وكما يلخصها البروفيسور مدينا:
توجد ثلاثة شروط مهمة لإدراك المشاعر:
تعرف أنّك تشعر بشعورٍ ما في هذا الوقت
تستطيع أن تتعرّف على الشعور الذي ينتابك بسرعة وتستطيع أن تقوم بوصفه كلامياً
تستطيع أن تتعرّف على المشاعر المشابهة لدى الآخرين بنفس السرعة أيضاً.
أما الآن فلماذا قد يهمك الأمر؟
يمكن للمرء وصف المشاعر بالكلمات فقط عندما يكون قادراً فعلاً على إدراكها بشكلٍ جيّد. وإدراك المشاعر بشكلٍ جيّد كفيل بتحسين نوعية الحياة لدى الكبار. وذلك عن طريق زيادة القدرة على التعامل مع الأشخاص المختلفين والحفاظ على العلاقات الاجتماعية من حولنا. وكما أشرت في أكثر من موضوعٍ سابق فإنّ هذا الأمر هو من أهم محددات السعادة والإنجاز في الحياة!
وكما لاحظت من اسم الكتاب، فإنّه يتحدّث عن تطوّر الدماغ عند الأطفال تطوراً صحيحاً وما الأمر التي تساعد على ذلك. ولعلّ التعامل مع المشاعر وتعليم الأطفال التعامل معها هو أساس تطوّر الدماغ والجهاز العصبي عند الأطفال بشكلٍ صحيح بحسب الكتاب!
أتمنى أن يكون موضوع اليوم قد نال إعجابك، وأشكرك على انتباهك ووقتك.
وأعتذر عن تأخري عليك اليوم!
أسبوع سعيد مليء بإدراك المشاعر!


