لماذا لا تُسجّل ملاحظاتك بالعربية
وهل هذا أمر سيء!
هل لاحظت يوماً أنه حين تهم بتدوين أفكارك أو ملاحظاتك السريعة على الكمبيوتر أو الموبايل، تجد أصابعك تكتب الإنجليزية تلقائياً؟ رغم أن العربية هي لغة قلبك التي نشأت عليها وتخاطب بها أعز الناس؟ هذه الظاهرة الغريبة باتت منتشرة بين الكثيرين، ولم تعد مقتصرة على من لغتهم الأم غير العربية أو من يعيشون في بيئة غربية، بل أصبحت سمة بين أوساط الشباب والمثقفين العرب، بل وحتى من يعتزون بهويتهم ويبدعون في الأدب العربي.
الكتابة بلغة غير اللغة الأم ليست مجرد صدفة أو “موضة عصر التقنية”. لو عدنا بالتاريخ لأيام العباقرة، لفاجأنا أن الأمر ليس بالوجه الذي نتصوره. لنأخذ قصة الطبيب والمترجم العظيم حنين بن إسحاق. هذا الرجل الذي عاش في القرن الثالث الهجري، وأصبح علامة في الترجمة والفلسفة والطب، كان يُترجم النصوص الفلسفية من اليونانية للعربية بدقة مذهلة، ويبتكر المصطلحات الطبية، ويحفظ للغاتِ وجاهتها وبريقها.
لكنه حين يسجّل خواطره وملاحظاته الشخصية، يختار السريانية، لغة طفولته وروحه، ويفر من العربية واليونانية! هل كان ذلك انحيازاً حضارياً أم رغبة في الحميمية؟ هل خجل من العربية؟ كثير من الدارسين يرون أن الإنسان ـ أيّا كان حظه من العلم ـ يطلب مأوى لغوياً آمناً حين يكتب لنفسه، لأن اللغة لا تمنح فقط مفردات وتراكيب، بل تمنح “سريّة شعورية” وحضناً خاصاً، وكأنها غرفة سرية في قلبه.
مع تطور التقنية ودخول المجتمع العربي قرن العولمة والذكاء الاصطناعي، أصبحت الإنجليزية لغة الإنتاج العلمي والتقني، وعززت حضورها عبر الهواتف والتطبيقات. لكن، هناك وراء هذه الظاهرة أسباب عميقة نفسية وفكرية، لا تختصرها “سهولة الاستخدام” أو الهيمنة التقنية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى العلاقة بين اللغة والتفكير، وبين الهوية والخوف من المكاشفة الذاتية. وسنغوص معاً في الأسباب:
يا أخي، ببساطة أسهل!
الأجهزة الذكية تأتي بإعدادات إنجليزية افتراضية غالباً، من لوحة المفاتيح إلى تنبيهات التطبيقات إلى نظم التشغيل. المستخدم الذي يريد أن يكتب بسرعة، أو يدوّن فكرة أثناء اجتماعه أو سفره، يجد أن الإنجليزية مُسهَلة، فإصلاح الأخطاء التلقائي أسرع، وكلمات العمل والدراسة “جاهزة”. وهنا يصبح التدوين بالإنجليزية عادة عملية، تتحول مع الوقت إلى سلوك راسخ يغطي حتى المجالات الحميمية كالملاحظات الشخصية والمشاعر.
عداك عن أنّ معظم العلوم الطبية، الهندسة، التقنية، والبحث الأكاديمي يُقدّم اليوم بالإنجليزية، وترسخت مصطلحاتها في الذهن والذاكرة العملية. الطبيب ـ على سبيل المثال ـ الذي يكتب خطة علاج أو يسجل شرح دواء، يجد نفسه يستخدم مصطلحات إنجليزية، فيُفضّل تدوينها باللغة نفسها لتجنب الترجمات الذهنية المتكررة. ثم تدخل الملاحظات الشخصية في شبكة المصطلحات التقنية، ويحدث التداخل بين “لغة الخارج” و”لغة الذات”، فتصبح الإنجليزية لغة التفكير وصياغة الفكرة.
اعذرني، I speak only Englisch!
استخدام الإنجليزية أصبح رمزاً للحداثة، وقُرباً من المجتمع الدولي، وهوية عابرة للحدود. كثيرون يشعرون أن الكتابة بالإنجليزية في يومياتهم أو تدوينهم الذاتي يمنحهم شعوراً بالانفتاح على العالم، خاصة في ظل قنوات التواصل الاجتماعي والعلاقات المهنية العابرة للبلدان.
اهرب! من نفسك أولاً!
كتبت إحدى الباحثات (ليرا بوروديتسكي)1، في دراسةٍ قوية عن علاقة اللغة بالتفكير، أن اللغة التي نكتب بها “تحذف” أو “تفلتر” الأحاسيس. استخدام لغة أجنبية يقلل التوتر، ويسهل مواجهة الأفكار الصعبة، ويمنحنا مساحة نقد أكثر “بروداً”، حيث أن اللغة الأجنبية تعمل كدرع نفسي يسمح للدماغ بمواجهة الحرج أو المشاعر العميقة دون بصمة العادة أو ثقل التقاليد التي تحملها اللغة الأم. لذلك، عندما يكتب الشخص ملاحظة حساسة أو فكرة ذاتية بالإنجليزية، يشعر أحياناً بأنها “أقل صدمة”، أو “أقل تهديداً”، وكأن هناك حائطاً زجاجياً يفصل بينه وبين أعماقه الكامنة.
في دراسة أخرى أجراها العالم Keysar على أثر اتخاذ القرار بلغة أجنبية، تبين أن الإنسان يصبح أكثر عقلانية ويقلّ لديه التحيز والتوتر العاطفي حين يفكر أو يقرر بلغة غير اللغة الأم. نفس الدراسة ربطت بين اتخاذ القرارات المهنية والمصيرية باستخدام الإنجليزية وبين القدرة على فصل المشاعر عن المنطق، وهو ما يفسر تفضيل كثيرٍ من الناس كتابة الخطط اليومية أو المشاعر الحرجة بلغة بعيدة عن الطفولة والذاكرة.
أي اللغتين تشبه صوتك الحقيقي؟
جرب أن تدوّن فكرة أو مشكلة مرت بك مرتين: مرة بالإنجليزية (أو أيّ لغة أجنبية تتقنها) ومرة بالعربية. اقرأهما بعد يومين أو أسبوع. قد تشعر أن النص العربي يكشفك أكثر، يطرحك أمام المرآة بلا رتوش، وأن اللغة الثانية تمنحك قدرة على النظر للأفكار من زاوية خارجية، أو تجعل النقد الذاتي أقل قسوة. في مجتمعاتنا، قد يحتاج الإنسان أحياناً لهذا البُعد النفسي كي يتحكم بانفجارات الشعور أو عاصفة الأفكار التي لا يجرؤ على الاعتراف بها مباشرة بلغته الأصلية.
رسالتي إليك
اكتب باللغة التي تتحرر بها أفكارك وتجد فيها مساحة للصدق مع الذات، لكن لا تتخلَ عن دفء العربية عندما تريد أن تجد الحميمية والتجذر في الحياة اليومية. الانفتاح على الإنجليزية أو غيرها ليس خيانة للهوية، بل وسيلة لفهم الذات وزيادة الإنتاجية. لكن لا تسمح للعادة أن تحجب عنك متعة التفكير باللسان الذي بُعثت به، وتكلمت به مع جدتك وأمك في طفولتك.
وتذكّر أنّ الكتابة ليست فقط لترتيب الأفكار، بل هي عملية إعادة اكتشاف للنفس. حين تكتب بالإنجليزية، تتعلم كيف تبتعد لتراقب ذاتك، وحين تكتب بالعربية تقترب حتى يلامس الكلام قلبك وجذور طفولتك. كل لغة تحمل تحيزاتها ومشاعرها وأنماط تفكيرها، فاختر اللغة المناسبة لكل لحظة ومحتوى. في النهاية، اللغة جسر للعبور نحو الحقيقة، وليست جداراً للحجب أو الهروب.
فكّر، ودوّن، واكتب... ولن يخذلك القلب ولا اللغة.
يمكنك مشاهدة هذا الفيديو من TED Talks عن هذا الموضوع من الكاتبة نفسها!




انا شخصياً
اكتب باللغة العربية لان الغرض من كتابتي هي استكشاف مشاعري وفهمها وتفكيكها وغير كذا التعبير يكون اعمق وادق، يصير اقدر ابحر في الشعور وطريقة وصفه تكون ادق .
لكن اتفق ان اذا غيرنا اللغة راح يكون الوطأة على المشاعر اخف خلال وصفنا ل حدث او بتحدثنا عن شعور.
كذلك تذكرت مقطع هو كان يضحك شوي
كان في شخص يخاف من الاماكن المرتفعة ف يقول ان فيه فوبيا من المرتفعات
ف عمه رد عليه بالمحادثة اللي بالواتس
وقال له ذي طقاعة يعني انت طقوع اتجاه المرتفعات ف اهو جرّد الكلمة ورجعها الى معناها الاساسي
ف يعني هنا جات كلمة فوبيا ل تغلف المصطلح الرئيسي اللي يكون بالغالب وطأته اقوى على الشخص وممكن تسبب احراج.
صحيح عندما أعبر عن مشاعري بلغة غير العربية أشعر بخجل أقل مقارنة ب العربية لذلك أُفضِل أن تكون المذاكرات بلغة غير العربية رغم جمالها