سرّ السعادة المنسيّ: كيف يُعيدُ الامتنانُ تشكيلَ حياتِكَ وصحّتكَ؟
جميع الحقوق محفوظة لـ فَذلَكة ٢٠٢٥
هل سمعتَ يوماً بقصة الإمبراطور الرومانيّ ماركوس أوريليوس؟
لم يكن مجرد حاكمٍ لأعظم إمبراطورية في زمانه، بل كان أيضاً فيلسوفاً رواقيّاً1 عميقَ التفكير. في خضمّ الحروبِ والأوبئةِ والمؤامراتِ التي أحاطتْ به، وجدَ ماركوس ملاذاً له في الكتابة والتأمل. ترك لنا كنزاً ثميناً يُعرف بـ"التأملات"، وهو عبارة عن خواطر شخصية لم تكن معدّة للنشر، كتبها لنفسه ليذكّرها بمبادئ العيش الحكيم.
تظهر بين سطور تأملات أوريليوس نبرة امتنان شديدة متكررة. كان يمتنّ لمعلميه الذين أرشدوه، لأسرته التي دعمته، للآلهة (حسب معتقده) التي منحته القدرة على التفكير المنطقيّ وضبط النفس، وحتى للصعوبات التي واجهها لأنها صقلت شخصيته. لم يكن امتنانه مجرد شعور عابر، بل كان ممارسةً واعية، درعاً نفسيّاً ساعده على الحفاظ على توازنه الداخليّ وقوّته الأخلاقية في وجه عالمٍ مضطرب. كان يدرك أن التركيز على ما يملكه، بدلاً مما يفتقده أو يزعجه، هو مفتاح الطمأنينة والقوة الداخلية.
إذا كان شخصٌ يواجه ضغوطاً هائلة كهذه يجد في الامتنان مصدراً للقوة، فماذا يمكن للامتنان أن يفعله في حياتنا اليومية؟
قصة ماركوس أوريليوس ليست مجرد حكاية تاريخية؛ إنها تجسيدٌ حيّ لفكرةٍ محوريةٍ في رحلتنا نحو حياةٍ أفضل: قدرتُنا على اختيار منظورنا تجاه الحياة. (راجع هذا الموضوع السابق من فَذلَكة) كثيراً ما نجد أنفسنا، مثلي ومثلك، غارقين في دوامة المشاغل اليومية، نركض خلف الأهداف، ونقلق بشأن المستقبل، وننسى أن نتوقف للحظة ونقدّر ما بين أيدينا بالفعل. تنطلق عقولنا المبرمجة بشكل طبيعيّ للتركيز على السلبيّات والتهديدات المحتملة (وهو ما يُعرف بالتحيّز السلبيّ أو Negativity Bias). (راجع موضوع هل أنت سلبي بالفطرة؟) وهذا كان مفيداً لأسلافنا للبقاء على قيد الحياة في بيئات خطرة. لكن في عالمنا الحديث، غالباً ما يقودنا هذا التحيّز إلى حالةٍ دائمةٍ من القلق وعدم الرضا، حتى لو كانت حياتنا مليئة بالنعم الصغيرة والكبيرة.
يمكننا إعادة البرمجة عن طريق الامتنان. لكن ماذا يعني ذلك حقّاً؟
الامتنان ليس مجرد قول "شكراً"، بل هو حالةٌ ذهنيةٌ عميقة، ووعيٌ نشطٌ بالخير الموجود في حياتنا، سواء كان كبيراً أم صغيراً. إنه تحويلٌ للتركيز من الندرة إلى الوفرة، من الشكوى إلى التقدير. وعندما نتبنى هذا المنظور، يبدأ تغييرٌ مدهشٌ في الحدوث، ليس فقط في نظرتنا للعالم، بل وفي صحّتنا النفسيّة والجسديّة أيضاً.
قد يبدو الحديث عن الامتنان كأنه مجرد كلامٍ معسولٍ أو تفكيرٍ إيجابيّ سطحيّ، لكنّ العلم في السنوات الأخيرة بدأ يكشف عن التأثيرات العميقة والملموسة لهذه الممارسة.
تُعتبر الأبحاث التي أجراها الدكتور روبرت إيمونز من جامعة كاليفورنيا، والدكتور مايكل ماكولو من جامعة ميامي، من الدراسات الرائدة في هذا المجال. في إحدى دراساتهم الشهيرة التي نُشرت عام 2003، قاموا بتقسيم المشاركين إلى ثلاث مجموعات طُلب منها تدوين ملاحظات أسبوعية لمدة عشرة أسابيع. المجموعة الأولى دوّنت الأشياء التي شعروا بالامتنان تجاهها، والمجموعة الثانية دوّنت المتاعب اليومية، أما الثالثة فدوّنت أحداثاً حيادية. كانت النتائج لافتة: أظهرت المجموعة التي ركّزت على الامتنان مستويات أعلى بكثيرٍ من المشاعر الإيجابية، والتفاؤل، والرضا عن الحياة. والمثير للاهتمام أنهم أبلغوا أيضاً عن أعراض جسدية أقل، بل ومارسوا التمارين الرياضية أكثر من المجموعتين الأخريين!
ربطت دراسات أخرى ممارسة الامتنان بتحسين جودة النوم. وجدت دراسة نُشرت في مجلة "Journal of Psychosomatic Research" عام 2009 أن الأشخاص الذين يشعرون بمزيد من الامتنان يميلون إلى النوم لفترة أطول ويستيقظون وهم يشعرون بانتعاش أكبر. يُعتقد أن هذا التأثير قد يكون مرتبطاً بقدرة الامتنان على تقليل الأفكار السلبية والمقلقة قبل النوم.
كبّر عقلك!
تشير الأبحاث باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ (fMRI) إلى أن مشاعر الامتنان تنشّط مناطق في الدماغ مرتبطة بالمكافأة، والتعاطف، وتنظيم العواطف، مثل قشرة الفص الجبهيّ الإنسيّ (medial prefrontal cortex). يعني ذلك أنّ ممارسة الامتنان قد تساعد في تقوية المسارات العصبية المرتبطة بالمشاعر الإيجابية والقدرة على التعامل مع التوتر.
الرسالة واضحة: الامتنان ليس مجرد شعور لطيف، بل هو تدريبٌ للعقل له فوائد مثبتة علميّاً على صحتنا النفسيّة والجسديّة. إنه يخفف من أعراض الاكتئاب والقلق، ويعزز السعادة والرضا، ويحسّن النوم، وقد يساعد حتى في تقوية علاقاتنا الاجتماعية وقدرتنا على الصمود في وجه الشدائد.
وهل ترانا نعيش في فقاعة ز هرية!؟
حسناً، هذا كلام جميل عن الأباطرة والدراسات العلمية، لكن كيف يمكنكَ أنت، في خضمّ حياتكَ المزدحمة، أن تجعل الامتنان جزءاً حقيقيّاً من يومك؟ كيف يمكن لهذه الفكرة أن تنتقل من مجرد معلومةٍ قرأتها في نشرة بريدية إلى واقعٍ ملموسٍ يُحدث فرقاً في صحتك وسعادتك؟
الأمر أبسط مما قد تتخيل. لا يتطلب الأمر تغييرات جذرية أو وقتاً طويلاً. المفتاح هو تحويل الامتنان من فكرةٍ مجردةٍ إلى عادةٍ يوميةٍ صغيرة. فكّر معي:
متى كانت آخر مرة توقفتَ فيها لتقدّر دفء الشمس على وجهك، أو طعم فنجان قهوتك الصباحيّ؟
هل فكرتَ اليوم في نعمة القدرة على المشي، أو السمع، أو البصر؟
هل هناك شخصٌ في حياتكَ (صديق، فرد من العائلة، زميل عمل) قدّم لك معروفاً بسيطاً أو قال كلمة طيبة، وشعرتَ بالامتنان له؟ هل عبّرتَ عن هذا الامتنان؟
حتى في الأيام الصعبة، هل يمكنكَ إيجاد شيءٍ واحدٍ صغيرٍ، مهما بدا تافهاً، لتشعر بالامتنان تجاهه؟ ربما سريرٌ دافئٌ تنام فيه، أو وجبةٌ ساخنةٌ، أو حتى درسٌ تعلمتَه من موقفٍ صعب؟
لا يعني الامتنان تجاهل الصعوبات أو التظاهر بأن كل شيء مثاليّ. بل يعني الاعتراف بالخير الموجود جنباً إلى جنب مع التحديات. إنه مثل ضبط عدسة الكاميرا لتوسيع مجال الرؤية بدلاً من التركيز فقط على بقعةٍ واحدةٍ مظلمة. عندما نبدأ في البحث بوعيٍ عن الأشياء التي نستحق الامتنان لها، نكتشف أنها موجودةٌ بكثرةٍ حولنا، لكننا كنا نغفل عنها.
قد تجد أن يومك لم يتغير كثيراً في ظاهره، لكن شعورك الداخليّ سيبدأ بالتحوّل. ستلاحظ أن مزاجك يتحسن، وأن قدرتك على التعامل مع الضغوط تزداد، وأن نظرتك للحياة تصبح أكثر إيجابية وتفاؤلاً.
فَذلَكة الفَذلَكة
الامتنان ليس مجرد شعورٍ عابرٍ يأتي ويذهب، بل هو مهارةٌ يمكننا تطويرها، وعادةٌ يمكننا بناؤها، وأداةٌ قويةٌ لتحسين صحتنا النفسيّة والجسديّة. إنه بمثابة "دواءٍ مجانيّ" نمتلكه جميعاً، لا يتطلب وصفة طبية، وليس له آثار جانبية سلبية، وفوائده مثبتة علميّاً.
إذا كنتَ ترغب في البدء بتجربة قوة الامتنان في حياتك، إليك بعض الاقتراحات العملية البسيطة التي يمكنكَ البدء بها اليوم:
دفتر الامتنان اليوميّ: خصّص بضع دقائق كل يوم (ربما قبل النوم أو عند الاستيقاظ) لتدوين ثلاثة إلى خمسة أشياء تشعر بالامتنان تجاهها. لا يجب أن تكون أشياء كبيرة؛ يمكن أن تكون بسيطة مثل "محادثة ممتعة مع صديق"، "طقس جميل"، أو "إنجاز مهمة صغيرة في العمل". التركيز على السبب وراء امتنانك ("أنا ممتن لـ... لأن...") يعمّق التأثير.
التعبير عن الشكر: لا تكتفِ بالشعور بالامتنان داخلياً، بل عبّر عنه للآخرين. أرسل رسالة شكر قصيرة، اتصل بشخص لتقدّر دعمه، أو قل "شكراً" بصدقٍ لشخصٍ قدّم لك خدمة، حتى لو كانت صغيرة. هذا لا يفيد المتلقي فقط، بل يعزز شعورك بالارتباط والسعادة أيضاً.
لحظات الامتنان الواعية: خلال اليوم، حاول أن تتوقف للحظات قليلة وتنظر حولك بوعي، باحثاً عن شيءٍ تقدّره في تلك اللحظة. قد يكون جمال الطبيعة من نافذتك، أو صوت ضحكة طفل، أو مجرد شعورك بالراحة في مكانك. هذه الوقفات القصيرة تساعد في كسر دائرة الأفكار السلبية وتذكيرك بالنعم المحيطة بك.
استخدام المحفّزات: اربط ممارسة الامتنان بنشاط يوميّ تقوم به بالفعل، مثل شرب قهوتك الصباحية، أو تنظيف أسنانك، أو أثناء انتظارك في إشارة المرور. استخدم هذه اللحظات كتذكير للتفكير في شيءٍ تشعر بالامتنان له.
تذكّر، الهدف ليس الكمال، بل الممارسة المستمرة. حتى بضع دقائق من التركيز على الامتنان يومياً يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً على المدى الطويل. إنها دعوة لتقدير الحياة بكل ما فيها، ولإدراك الثروة الحقيقية التي نمتلكها بالفعل في داخلنا وفيما حولنا.
تماماً كما احتاج ماركوس أوريليوس لتذكير نفسه بمبادئ الحكمة والامتنان وسط تحديات عصره، نحتاج نحن أيضاً إلى أدواتٍ تساعدنا على الإبحار في خضمّ حياتنا المعاصرة. الامتنان هو أحد أقوى هذه الأدوات، مفتاحٌ بسيطٌ وعميقٌ لصحةٍ أفضل وسعادةٍ أعمق.
سأتناول الأسبوع القادم موضوع مهم ومثير: الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons) ودورها في تأسيس الذكاء الاجتماعي والعاطفي. تأكّد من اشتراكك في النشرة البريدية لنستكشف كيف تُمكننا هذه المبادئ من التعاطف وبناء علاقات أفضل!
حتى ذلك الحين، أتمنى لك أسبوعاً مليئاً بلحظات الامتنان الصغيرة والكبيرة، وأن تكتشف بنفسك السرّ المنسيّ للسعادة الذي يكمن في تقدير ما لديكَ بالفعل.
شكراً لوقتك!
الفلسفة الرواقية: أنشأه الفيلسوفُ اليونانيُ زينون السيشومي في أثينا ببدايات القرن الثالث قبل الميلاد. تندرج الرواقية تحت فلسفة الأخلاقيات الشخصية التي تُستَمَدُّ من نظامها المنطقي وتأملاتها على الطبيعة. وفقاً لتعاليمها، فإن الطريق إلى اليودايمونيا (السعادة أو الراحة الدائمة) يكون بتقبل الحاضر، وكبح النفس من الانقياد للذة أو الخوف من الألم، عبر مَشُورَةِ العقلِ لفهم العالم وفِعلِ ما تقتضيه الطبيعة. عُرِفَ الرِّواقِيُّون لتعاليمٍ مِثل «الفضيلة هي الخير الوحيد»، وأنَّ بقيةَ الأشياءِ الخارجيةِ كالصحةِ، الثراءِ، واللذةِ ليست شراً أو خيراً في حدِّ ذاتها، لكنَّها تحملُ قيمةً بصفتها «مادة يسع للفضيلة أن تستعملها




🥰🥰🥰