عيون لا تعرف الأزرق
رحلة في عالم الألوان الذي لا نراه
بحر بلون النبيذ الداكن،
عسلٌ أخضر وخِرافٌ باللون البنفسجي!
عزيزي القارئ إذا كنت تعتقد أنّي أهذي، للأسف أنت مخطئ! هذه كلمات وتعابير واحد من عظماء الأدب الأغريقي القديم، هوميروس!
في منتصف القرن التاسع عشر، كان ويليام غلادستون، الذي سيصبح لاحقاً رئيس وزراء بريطانيا لأربع مرات، منشغلاً بمشروع شخصي وعملاق: قراءة كل ما نجا من الأدب الإغريقي القديم. وبينما كان يغوص في آلاف الصفحات من “الإلياذة” و”الأوديسة”، لاحظ أمراً غريباً حيّره بشدة. هوميروس، الشاعر الذي وُصفت لغته بالبحر الزاخر، كان بخيلاً جداً في وصفه للألوان.
لم يذكر اللون الأزرق ولو لمرة واحدة!1 بل وصف البحر مراراً وتكراراً بعبارة “بحر بلون نبيذ الثيران الداكن” (oinops pontos). ووصف العسل باللون الأخضر، والخراف باللون البنفسجي.لم يكن غلادستون مجرد سياسي، بل كان باحثاً كلاسيكياً شغوفاً. وبعد أن أحصى كل ذكر للألوان في أعمال هوميروس، خرج بنظرية صادمة: الإغريق القدماء، وعلى رأسهم هوميروس، ربما كانوا مصابين بعمى ألوان جزئي. لقد كانت أعينهم، كما افترض، لا تزال في “مهدها التطوري”، تميز بين النور والظلام ببراعة، لكنها عاجزة عن تمييز الأطياف اللونية الدقيقة، خاصة الأزرق والأخضر.
بدا الأمر وكأن الإنسانية في ذلك العصر كانت تعيش في عالم سينمائي باهت. لكن ماذا لو لم تكن المشكلة في عيون هوميروس، بل في شيء أعمق وأكثر إثارة للدهشة؟ ماذا لو كان العالم الذي نراه ليس انعكاساً للحقيقة المطلقة، بل قصة يرويها دماغنا بالكلمات التي نملكها؟
بحرٌ بلون النبيذ، وسماء بلا اسم
بقيت فرضية غلادستون قائمة لسنوات، حتى جاء عالما اللغويات برنت برلين وبول كاي في عام 1969 بدراسة غيّرت فهمنا بالكامل. عبر دراسة عشرات اللغات حول العالم، اكتشفا نمطاً مذهلاً في كيفية ظهور أسماء الألوان في أي لغة. وجدا أن كل الثقافات تبدأ أولاً بكلمتين فقط: “فاتح” (أبيض) و”داكن” (أسود). إذا ظهرت كلمة ثالثة، تكون دائماً “أحمر”. الكلمة الرابعة والخامسة تكونان “الأخضر” أو “الأصفر”. أما الكلمة السادسة، والتي لا تظهر إلا بعد استقرار الألوان السابقة، فهي دائماً “الأزرق”.
لم يكن هوميروس أعمى، بل كان يعيش في مرحلة لغوية لم تكن فيها كلمة “أزرق” قد وُلدت بعد في وعي شعبه الجماعي. كان يرى زرقة البحر المتوسط بالتأكيد، لكنه لم يملك “مفهوماً” أو “خانة” لغوية في دماغه ليضع هذا الإحساس البصري فيها. لذلك، وصف البحر بأقرب شيء متاح له يصف حالته، ليس لونه: داكن، غامض، متقلب، وعميق مثل النبيذ المعتّق. فالمشكلة لم تكن في العين، بل في الكلمة.
عيون خارقة ترى ما لا نراه
إذا كانت اللغة قادرة على تشكيل واقعنا اللوني، فماذا عن البيولوجيا؟2 نحن البشر نمتلك ثلاثة أنواع من الخلايا المخروطية في شبكية العين، كل نوع حساس لطيف لوني مختلف (الأحمر، الأخضر، الأزرق). نحن كائنات “ثلاثية اللون”. لكن في مملكة الحيوان، نحن مجرد مبتدئين.
خذ على سبيل المثال “روبيان السرعوف” (Mantis Shrimp)، وهو كائن بحري صغير لا يتجاوز حجمه بضعة سنتيمترات، لكنه يمتلك النظام البصري الأكثر تعقيداً على وجه الأرض. بينما نرى نحن بثلاثة أنواع من المخاريط، يرى هو بستة عشر نوعاً! هذا لا يعني فقط أنه يرى ألواناً أكثر منا، بل إنه يرى أطيافاً من من الضوء لا يمكن لعقولنا حتى تخيلها، مثل الضوء المستقطب الدائري، وهي قدرة لا يشاركه فيها أي كائن آخر. عالمه اللوني غني ومعقد لدرجة أن مقارنته بعالمنا تشبه مقارنة شاشة هاتف “نوكيا” قديم بشاشة سينمائية فائقة الدقة.
والأمر لا يقتصر على الحيوانات. بيننا نحن البشر، يوجد أفراد يرون العالم بشكل مختلف. هناك حالة جينية نادرة تسمى “الرؤية رباعية الألوان” (Tetrachromacy)، تحدث غالباً لدى النساء، حيث يمتلكن أربعة أنواع من الخلايا المخروطية بدلاً من ثلاثة. هذا “المخروط” الإضافي، الحساس للون بين الأخضر والأحمر، يمكنهن نظرياً من رؤية ما يصل إلى 100 مليون لون، مقارنة بالمليون لون الذي يراه الشخص العادي. تخيل أنك تنظر إلى حديقة، فلا ترى مجرد “أخضر”، بل مئات الدرجات اللونية الخضراء التي ليس لها أسماء، كل ورقة شجر وكل عرق فيها يلمع بلون فريد ومميز. بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، العالم الذي نراه نحن قد يبدو باهتاً ومحدوداً.
بالحديث عن الأسماء ودورها في العلم وإعطاء العالم “لونه” أدعوك لقراءة موضوع سابق عن الأسماء هنا:
كيف يغير هذا نظرتك لحياتك؟
هذه الرحلة في عالم الألوان تعلمنا درسًا أعمق من مجرد علم البصريات. إنها تذكرة قوية بأن العالم الذي نختبره ليس الحقيقة المطلقة، بل هو بناء معقد تصوغه حواسنا المحدودة ولغتنا المكتسبة. وهذا يذكرنا بالتمييز العبقري الذي قدمه المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري، حين فرّق بين “الوقائع” و”الواقع” في كتابه المميز والذي أدعو أي شخص لقراءته: “رحلتي الفكرية”. 3 (لم أجد سوى أونلاين سوى نسخة الكترونية، على جهاز Kindle4)
الوقائع، كما يراها المسيري، هي الأحداث والمواد الخام المتناثرة في الكون، مثل وجود موجات ضوئية ذات تردد معين (ما نسميه الآن أزرق). هذه وقائع موضوعية، صماء، بلا معنى في ذاتها.
أما “الواقع”، فهو الصورة الكلية، هو النموذج التفسيري الذي يبنيه الإنسان في عقله ليربط هذه الوقائع المتناثرة ويمنحها معنى وقيمة. إنه “النسيج” الذي نصنعه من “خيوط” الوقائع.
بالتالي، يمكننا القول إن زرقة السماء والبحر كانت دائمًا “واقعة” موجودة، لكنها لم تصبح جزءًا من “واقع” الإغريق القدماء إلا بعد أن نسجتها اللغة والثقافة داخل منظومتهم الإدراكية. نحن لا نطلق الأسماء على الأشياء لمجرد وجودها كوقائع، بل لأننا ندمجها في نسيج واقعنا ونمنحها معنى وأهمية.
وهنا حذّر المسيري من الانزلاق إلى فخّ خطير: النسبية الشاملة. فالاعتراف بأن كل منا يبني “واقعه” الخاص قد يدفع البعض إلى استنتاج مدمر: أنه لا توجد حقيقة على الإطلاق، وأن كل الآراء متساوية في الصحة، وأن الأخلاق والقيم مجرد بناءات لا أساس لها. هذه النسبية تؤدي إلى “تسييل” كل المفاهيم الكبرى، فيصبح الخير والشر والجمال والعدل وحتى مفهوم “الإنسان” مجرد بناءات اجتماعية قابلة للتفكيك أو التغيير.
يقابل المسيري هذا التيار بنموذج “الإنسان المركب”: يؤكد أن الإنسان ليس مجرد كائن مادي يفسر عبر العلم التجريبي فقط، بل كائن فريد يجمع بين البعد المادي وبُعد متجاوز - روحي وعقلي يبرز في قدرته على الحب والبحث عن المعنى والعدل. هذه الثنائية تمنح الإنسان كرامته وتفرده، وتجعله جوهرًا غير قابل للاختزال أو التسليع.
في مواجهة حالة “السيولة” الأخلاقية والمعرفية التي تنتج عن النسبية الشاملة، يدعو المسيري إلى ضرورة وجود مرجعية متجاوزة وثابتة، مثل الإيمان بالله الذي يرسخ ثنائيات أساسية تضمن للإنسان أسسًا أخلاقية متينة تمنعه من الوقوع في العدمية أو أن يكون مجرّد أداة في يد الأقوى لفرض سرديته.
وأخيرًا، ينتقد المسيري النموذج المادي، ويرى أنه عاجز عن تفسير الظاهرة الإنسانية في كليتها: لماذا يبدع الإنسان الفن أو يضحي بحياته من أجل فكرة؟ لذلك يدعو لتبني نموذج معرفي إنساني إيماني، ينطلق من الاعتراف بتركيبة الإنسان وفرادته بوصفه محورًا لفهم الكون، وليس مجرد عنصر مادي ثانوي في هذا الكون.
الدرس هنا ليس أن “كل شيء نسبي”، بل أن إدراكنا لنسبية رؤيتنا للعالم يجب أن يكون دافعًا للتواضع المعرفي والبحث الدؤوب عن أرضية مشتركة، لا دافعًا لإنكار وجود أي حقيقة. الاعتراف بأن صديقك يرى البحر “بلون النبيذ الداكن” لا يعني أن البحر غير موجود، بل يعني أنكما تحتاجان إلى حوار أعمق لتفهما منطلقات بعضكما البعض والوصول إلى فهم مشترك وأكثر ثراءً.
انضم إلى أكثر من ١٢٠٠ شخص آخرين يقرؤون فذلكة اسبوعياً!
والآن حان دورك لتسأل نفسك!
هل أستخدم “نسبية الآراء” كذريعة للتشبث برأيي، أم كجسر لمحاولة فهم رؤى الآخرين؟
ما هي “المرجعيات” الأخلاقية والإنسانية الثابتة التي أستند إليها حتى لا أغرق في بحر النسبية الشاملة؟
عالمنا ليس مجرد مجموعة من الحقائق الثابتة، بل هو لوحة فنية نرسمها معاً بأدواتنا البيولوجية والثقافية. بدلاً من السعي لفرض “لوننا” على الآخرين، يمكننا أن ننمي فضولنا تجاه لوحاتهم. الدرس التطبيقي هنا ليس مجرد “كن منفتحاً”، بل هو دعوة نشطة للاستكشاف:
وسّع قاموسك: ليس فقط قاموس الألوان، بل قاموس المشاعر والأفكار. كلما تعلمت كلمات ومفاهيم جديدة لوصف العالم الداخلي والخارجي، زادت قدرتك على رؤية تفاصيله الدقيقة.
استمع بفضول: عندما يصف شخص ما تجربة بشكل مختلف عنك، لا تفترض أنه مخطئ. اسأله أكثر. حاول أن ترى العالم من خلال “عيونه” و”كلماته”. قد تكتشف ألواناً لم تكن تعلم بوجودها.
في النهاية، كل ما نراه ليس سوى قصة يرويها دماغنا عن عالم لن نلمس حقيقته الكاملة أبداً. وهذا ليس مدعاة لليأس، بل هو أعظم دعوة للتواضع والدهشة المستمرة!
شكراً لوقتك هذا الأسبوع. وإلى اللقاء في الأسبوع القادم!
لا تنسَ مشاركة الموضوع مع من قد يهمه.
الشكر لصديقي أحمد حلمي (ليس الفنان) الذي ألهمني فكرة البحث عن اصل اللون الأزرق
أدعوك لسماع هذه الحلقة المميزة من Radiolab. ممتعة ومشوّقة حتماً!
رابط أفلييت: إذا اشتريت عبر هذا الرابط، أحصل على نسبة صغيرة دون أن يرتفع سعر الكتاب عليك.
رابط أفلييت: إذا اشتريت عبر هذا الرابط، أحصل على نسبة صغيرة دون أن يرتفع سعر المنتج عليك.





مقال أكثر من رائع وموضوع مميز، مش واخد حقه في الانتشار