كيف ترسم الكلمات خريطة وجودنا
التسمية، المفتاح المغيّب
حين أراقب ابني الصغير، الذي لتوّه تجاوز عامه الأول، أراه يطوف بعينيه ويده على الأشياء من حوله، يشير إليها بحماس ويقول مرارًا: “هي”، وكأنه بفضول بريء يطلب سر الكون: “ما هذا؟ ما اسمه؟” تلك اللحظات التي يمد فيها الطفل يده نحو كوب أو لعبة أو حتى النور، ليست مجرد طلب للحصول على الشيء، بل هي بداية حقيقية لاكتشاف العالم وتعلّم طريقة التعامل معه.
ينصح أطباء الأطفال وأخصّائيو الأعصاب دومًا بأن نستجيب لهذه الإشارات بالكلام، فننطق اسم الشيء بوضوح: “هذا كتاب”، “هذه كرة”، “هذا ضوء” ، لأن تكرار التسمية يسرّع بناء القاموس الداخلي للطفل ويزرع في عقله طريق الربط بين الأشياء ومعانيها وأسمائها.1 وقد أظهرت الأبحاث2 أن تسمية الأشياء للأطفال في سن مبكرة يعزز قدرة الإدراك والتمييز لديهم حتى في المدرسة، ويمكّنهم لاحقًا من استكشاف تفاصيل الحياة وتعقيداتها براحة وثقة أكبر.
وبنظرة متأنية، حين يكبر الطفل ويصير أيًّا منّا طبيبًا أو معلّمًا أو والدًا، تتكرر ذات الرحلة، لكن بوعي مختلف: أدخُلُ غرفة الطوارئ لأجد مريضًا يلهث من حالة غامضة لم يجد لها اسماً بعد. يبدأ القلق بالتضخّم في غياب إجابة، حتى تمنحه اسم إحساسه أو مرضه وتقول له: إنّها ليست جلطة قلبية وإنما نوبة هلع. فيهدأ نصف توتره لأن المجهول صار له اسم وحدود وقصة يُروى عنها ويُحكى ويُدار.
في سياقٍ متصل وعلى خطٍّ أبعد، تروي لنا الآية الكريمة: “وعلَّمَ آدم الأسماء كلّها”، وكأنّ أول هبة للإنسان كانت القدرة على تحويل الفوضى إلى معنى عبر التسمية والتصنيف والتحديد. بين غرفة الطوارئ ومشهد الخلق خيط واحد: حين نُسمّي الشيءَ، نصنع له مقاماً في عقولنا، فنبدأ بالتمييز والتدبير والتوجيه بدل التيه والارتجال.
النحو يقوّم اللسان
كان الفارابي يرى أنّ الكلمات (الألفاظ) مثل أدوات يستخدمها الإنسان لكي يوضّح أفكاره للآخرين، لكن المعاني الحقيقية (المعقولات) تعيش في داخل العقل. وحتى تصل فكرة واضحة وصحيحة إلى الآخرين، يجب أن تكون الكلمات دقيقة وواضحة؛ فإذا خلطنا بين الكلمات أو أخطأنا في اختيارها، يصبح الفهم مشوشًا أو خاطئًا.
لهذا شبّه الفارابي علم النحو بالميزان الذي يُصلح اللسان ويمنعه من الخطأ، وشبّه المنطق بالميزان الذي يُصلح العقل ويبعده عن التفكير الخاطئ. قال:
“كما أن النحو يُقوم اللسان، المنطق يُقوم العقل”
بمعنى آخر: إذا أردنا أن نفكر بشكلٍ منظم أو نتناقش أو نحل مشكلة بوضوح، يجب أن نحدد كلماتنا ومصطلحاتنا بدقة أولًا، لأنه عندما تكون المصطلحات واضحة، يصبح التفكير والعمل بعد ذلك أسهل وأدق.
وفي تفسير “وعلّم آدم الأسماء كلها” ذهب المفسرون إلى أن التعليم لم يكن ألفاظاً مجردة، بل حقائق ومسميات وخواصّ، أي قدرة على وضع الأشياء في مواضعها ومعرفة علائقها، وهذا جوهر التصنيف والمعرفة.
أما في الفلسفة اليونانية، تجسّد هذا الاشتغال على التسمية في “شجرة فرفوريوس” التي ترتّب الأجناس والأنواع من الأعلى إلى الأدنى، مفتاحاً بصرياً لكيفية صعود المعنى وهبوطه عبر الفصول والخواصّ والأعراض. بينما ذهب ابن رشد إلى أنّ اضطراب الأسماء يورث اضطراب العلوم
قوة الكلمة…علمياً!
الكلمات تنظّم الفئات منذ المهد، لا الأصوات غير ذات المعنى مثل “نم نم" أو “هم هم”. في دراسة منشورة في مجلة Cognition، نجح رُضّع بعمر 6 و12 شهراً في تكوين فئات عندما سمعوا كلمة واحدة تُطلق على أشياء متعدّدة، بينما لم تُنتج النغمات غير اللغوية الأثر نفسه رغم التشابه السمعي. “
لا يقتصر الموضوع على الأطفال وحسب، بل يتعداه إلى كل الفئات العمرية. يخفّض إعطاء الانفعال كلمة وصف (أشعر بالغيرة، أشعر بالغضب) نشاط اللوزة الدماغية (Amygdala) ويرفع نشاط القشرة الجبهية الجانبية، محوّلاً الاستجابة من رد فعل غريزي إلى ضبط أعلى تُظهره صور الدماغ الوظيفية. أظهرت تلك الصور دلائل على أثرٍ يستمر لاحقاً في تنظيم الاستجابة الوجدانية عن طريق تثبيط مسارات اللوزة الدماغية المسؤولة عن الغريزة3. 4
كما أظهرت الدراسات الحديثة أنّ كلما زادت خبرتنا وتنوّع تعليمنا وصار عندنا قدرة على تسمية الأشياء بدقة (مثلاً: نعرف الفرق بين “طائر” و”كناري” و”ببغاء”)، كلما أصبحت هذه الشبكة في دماغنا أكثر ترابطاً ومرونة، وساعدتنا على إجراء تفكير إبداعي وربط أفكار غير مألوفة بسهولة.
فعندما يتعلم الطفل أو الإنسان معلومة جديدة وهو يعرف اسمها ويصنفها بشكل صحيح، تصبح هذه المعلومة مرتبطة بأفكار قديمة في ذهنه، وهذا يجعل استرجاعها وربطها بمعلومات أخرى أسهل. فكل اسم أو مصطلح نضيفه بدقة يبني “خريطة معرفية” في دماغنا، ويساعدنا على التفكير بسرعة بطريقة منظمة وخلق أفكار جديدة.
أنا أتكلم، إذاً أنا أتحكّم بعقلك!
ميشيل فوكو، الفيلسوف الفرنسي، يوضّح أن اللغة ليست مجرد كلمات نتبادلها، بل هي أداة قوة تتحكم في كيف نفكّر ونشعر ونصنّف العالم. فالسلطة ليست فقط في الحكومات أو الجيوش، بل تدخل في كل شيء من طريقة استخدام اللغة والتسمية. مثلاً، في السياسة، كلمات مثل “الحرب على الإرهاب” أو “السلام العادل” تُستخدم لتوجيه الرأي العام نحو دعم قرارات معينة دون نقاش مفتوح، فهذه الكلمات ليست مجرد وصف، بل شكل من أشكال التحكم والسيطرة.
في الإعلام، قد يسمّي نفس الأشخاص “متمردين” أو “مدافعين عن الحرية”، فما يتم تسميته يؤثر على كيف ينظر الناس إليهم، ومن ثمّ على القرارات التي تُتخذ بحقهم. وكما يقول فوكو: “الخطاب لا ينقل فقط المعرفة، بل يُنتجها ويُكرّس السلطة.” لذلك، التسمية ليست بريئة، بل مرتبطة برسم خرائط القوة داخل المجتمع.
على الصعيد الفردي، هذا يعني أنّ من يملك القدرة على تسمية الأمور، سواء في الطب، القانون، أو حتى في النقاشات اليومية، يملك جزءًا من هذه السلطة، لأنها تحدد واقعنا وفهمنا للعالم، كما نرى في الآية القرآنية: “وعلّم آدم الأسماء كلها” التي تأسس فيها الإنسان على معلومة واضحة يستطيع أن يعمل ويحلّل ويقرّ قراراته.
أنا لست رئيس حكومة!
حسناً، شكراً لك. بعد كل هذا الشرح والتوضيح. كيف أستطيع الاستفادة من هذا الموضوع!؟
لعلّ أهم فكرة يمكنك الاستفادة منها هي الفكرة التالية:
تمرين “دفتر التسميات الدقيقة” اليومي
الهدف: تحويل الانفعالات والأفكار المبهمة إلى عناصر واضحة قابلة للإدارة.
الخطوات:
خصّص دفترًا صغيرًا أو تطبيق ملاحظات، وسمّه “مفكرة التسميات”. كلما شعرت بمشاعر قوية (إحباط، قلق، توتر)، اسأل نفسك: ما الاسم الأكثر دقة لهذا الإحساس الآن؟
اسأل مرة ثانية “هل هذا حقاً ما أشعر به؟”و “لماذا أشعر بهذا الشعور؟ ما الدافع يا ترى؟”
أعد هذه الأسئلة في كلّ مرةٍ تتعرّض فيها لموقفٍ يأجج فيك مشاعراً ما.
أضف بعدها: ماذا فعلتُ أو فكّرت فور التسمية؟(لاحظ كيف يتغير شعورك مع التكرار)
مثال: “اجتماع صعب، الشعور الحقيقي: قلق عرضي، الشدة: 5، النتيجة: شعرت براحة فجائية”.
في ختام هذا المقال، يصبح واضحًا أن مسألة التسمية ليست مجرد لعبة لغوية أو صياغة كلمات، بل هي قلب ينبض في صلب واقعنا المعاصر. في عالمنا اليوم، حيث تنتشر المعلومات والتقنيات بسرعة هائلة، ويدور النقاش حول القوة والهوية والسيطرة، تبقى القدرة على التسمية وفهم الأسماء وتحليل الخطاب أهم أدواتنا لفهم ما يجري حولنا وإدارته بوعي.
في السياسة، الإعلام، ووسائل التواصل، تحدد الأسماء والألفاظ التي يُستخدمها القادة والصحفيون وغيرهم مَن يملك صوتًا مسموعًا وكيف يتم تشكيل الرأي العام، تمامًا كما بيّن ميشيل فوكو أن اللغة هي أداة للسلطة والمعرفة تُعبّر عن قوى اجتماعية وثقافية أعمق. في حياتنا اليومية، عندما نستخدم المصطلحات الدقيقة لوصف مشاعرنا، مشاكلنا، وأهدافنا، نمنح أنفسنا قدرة أكبر على الفهم والتحكم وتحويل التحديات إلى فرص.
لذا، كل مرة تسمّي شيئًا بدقة وتفصل في معناه، فأنت تبني خريطةً في ذهنك تُساعدك على التنقل بثقة في عالم متسارع ومعقد. هذه الخريطة تمكّن الإنسان من فعل ما علمه الله لآدم: أن يكون خليفةً على الأرض بمعرفة كاملة للأسماء التي تُرسخ وجود الأشياء، ولها دور كبير في تشكيل واقعنا وفهمنا لمحيطنا.
هذه القدرة على التسمية والإدراك المنضبط ليست فقط إرثًا دينيًا وفلسفيًا، بل هي مفتاح النجاح في زمنٍ حيث كل شيء يتغير بسرعة، والوعي والتمييز بين الأشياء الحقيقية والمُزيَّفة هما من أساسيات الحياة المستدامة والفعّالة.
لذا، جرّب هذا الأسبوع أن تعطي للعالم ولذاتك أسماءً أشد دقة، وستتفاجأ كم يتسع النور ويضيق الغموض.
شكراً لوقتك!
أتمنى إذا أعجبك هذا المقال أن تقوم بمشاركته والضغط على إعجاب ليصل للآخرين.
وإلى الأسبوع المقبل.
الشكر لزوجتي الذي نوهّت لي بهذه الملاحظة وأعطتني هذه الفكرة لأبحث عنها أكثر!
الدراسة: Fulkerson AL, Waxman SR. Words (but not tones) facilitate object categorization: evidence from 6- and 12-month-olds. Cognition. 2007 Oct;105(1):218-28. doi: 10.1016/j.cognition.2006.09.005. Epub 2006 Oct 24. PMID: 17064677; PMCID: PMC2099297.
تلعب اللوزة دورًا أساسيًا في معالجة العواطف، خاصة الخوف والقلق
يمكنك مراجعة موضوع المشاعر. موضوع مهم جداً من فذلكة




موضوع جديد اول مرة بقرأ عنه ، وحبيت طريقة توظيف الكلمات اكيد بدي جربها.
جزاك الله خيرا اول مرة نشوف الآية بمنظور آخر