لماذا يهرب السياسيّون منك؟
لغز الشاطئ المزدحم
يقضي الطبيب أيّامه في التعامل مع أزمات الجسد البشري، حيث تكون القرارات سريعة، والنتائج حاسمة. لكن في السنوات الأخيرة، بدأتُ ألاحظ أزمة من نوع آخر، أزمة لا تحدث داخل غرف العمليات، بل خارجها: في نقاشاتنا اليومية، في نشرات الأخبار، وفي الطريقة التي ننظر بها إلى بعضنا البعض. إنها أزمة “استقطاب”، شعور متزايد بأننا نعيش في عالمين منفصلين، حتى ونحن نسكن نفس المدينة أو البلد.
قد يبدو الحديث عن السياسة بعيدًا عن تخصصي، لكن ما دفعني لكتابة هذا المقال اليوم هو إدراكي المتزايد بأن هذا الاستقطاب ليس مجرد ضجيج سياسي عابر، بل له آثار ملموسة وعميقة على صحتنا النفسية والجسدية كأفراد، وعلى صحة مجتمعاتنا ككل. فالصحة، ليست مجرد غياب المرض، بل هي حالة من التوازن والترابط. وعندما يفقد المجتمع توازنه، يدفع الأفراد الثمن من صحتهم.
دعوني آخذكم في رحلة قصيرة، تبدأ من شاطئ مزدحم، لنفهم معًا لماذا يحدث هذا التحول العالمي، كيف يؤثر علينا وكيف يمكننا حماية صحتنا النفسية في خضم هذه العاصفة!
انضم إلى ١,٢٠٠ شخص آخرون مشتركين في النشرة البريدية لتصلك خلاصة ما تعلّمته في كل أسبوع!
في صيف عام 1929، وبينما كان الاقتصادي الأمريكي هارولد هوتلينج يتأمل مشهد المصطافين على شاطئ مشمس، خطرت بباله فكرة بسيطة لكنها عبقرية. تخيل أن هناك بائعَي مثلجات يتنافسان على هذا الشاطئ الطويل. أين يجب أن يضع كل منهما عربته ليجذب أكبر عدد من الزبائن؟ قد يظن البعض أنهما سيبتعدان عن بعضهما ليغطيا الشاطئ بأكمله، لكن هوتلينج أدرك أن هذا لن يحدث.
ما سيحدث هو أن كل بائع سيتحرك تدريجياً نحو منتصف الشاطئ. لماذا؟ لأن البائع الذي يقف في المنتصف يضمن الحصول على كل الزبائن في نصفه من الشاطئ، بالإضافة إلى أي زبون قريب من المنتصف في نصف منافسه. ستستمر هذه المنافسة حتى يقف البائعان متجاورين في قلب الشاطئ، يقتسمان السوق بالتساوي. قد يبدو هذا غير منطقي للمصطافين في الأطراف البعيدة الذين سيضطرون للسير مسافة طويلة، لكنه القرار العقلاني الوحيد الذي يضمن لكل بائع ألا يخسر أمام الآخر.
هذه القصة البسيطة لم تبقَ مجرد تأمل اقتصادي، بل تحولت بعد سنوات لتصبح حجر الزاوية في فهم السياسة الحديثة. لقد ألهمت ما يُعرف بـ”نظرية الناخب الأوسط” (Median Voter Theorem)، التي سمعت بها أوّل مرة في محاضرة من جامعة Yale عن نظرية الألعاب. الفكرة هي أن السياسيين، تماماً كبائعي المثلجات، يميلون إلى التجمع في “منتصف” الطيف السياسي. المرشح الذي يتبنّى مواقف معتدلة وقريبة من غالبية الناخبين (الناخب الأوسط) هو الذي سيفوز في الانتخابات. لقد رأينا هذا جلياً، في انتخابات تاريخية مثل منافسة كينيدي ونيكسون في الستينيات، حيث بدا كلاهما يحاول كسب ود الناخب المعتدل.
لكن، وهنا يأتي سؤالك الذكي، ماذا لو نظرنا حولنا اليوم؟ من الانتخابات الألمانية الأخيرة إلى المشهد السياسي في الولايات المتحدة، يبدو أن بائعي المثلجات لم يعودوا مهتمين بمنتصف الشاطئ. إنهم يهرولون نحو الأطراف، تاركين وراءهم مساحة شاسعة من الرمال الفارغة. فلماذا يحدث هذا؟ هل أصبحت نظرية الناخب الأوسط مجرد حبر على ورق؟
حين يفرُّ الباعة من قلب الشاطئ
يبدو أنّ ابتعاد الأحزاب الألمانية عن الوسط لكسب أصوات المتطرفين ليست مجرد انطباع، بل هي الفصل الأحدث في دراما عالمية تُعرف بـ”الاستقطاب السياسي” (Political Polarization). ولعل ألمانيا هي المختبر الأوضح لهذه الظاهرة اليوم. لسنوات، حكمت أنجيلا ميركل من قلب الوسط، ساحبةً حزبها الديمقراطي المسيحي (CDU) معها. لكن هذا الاعتدال خلق فراغًا على اليمين، استغله حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) ببراعة. هذا الحزب، الذي بدأ كحركة أكاديمية تشكك في اليورو، تحوّل بحدة نحو اليمين المتطرف مستغلًا أزمة اللاجئين في 2015. وكرد فعل، وجد حزب (CDU) نفسه في مأزق: إما أن يبقى في الوسط ويخسر قاعدته المحافظة، أو ينحرف يمينًا لمجاراة (AfD)، فيبدو كنسخة باهتة من الأصل المتطرف، ويعطي شرعية أكبر لخطابه. إنها معضلة حقيقية توضح كيف يمكن لحزب متطرف أن “يسحب” الأحزاب الرئيسية نحوه بعيدًا عن الناخب الأوسط.
وهذه الدراما الألمانية ليست فريدة من نوعها، بل هي صدى لقصة أطول وأكثر تعقيدًا حدثت في الولايات المتحدة. في منتصف القرن العشرين، كان الحزبان الديمقراطي والجمهوري أشبه بخيمتين كبيرتين، كل منهما يضم ليبراليين ومحافظين. لكن منذ حركة الحقوق المدنية في الستينيات، بدأ طلاق بطيء. تبنى الديمقراطيون قضايا الحقوق المدنية فخسروا الجنوب المحافظ، بينما استغل الجمهوريون هذا التحول لجذب هؤلاء الناخبين عبر ما عُرف بـ”الاستراتيجية الجنوبية”. على مدى عقود، تعمّق هذا الانقسام، حتى أصبحنا اليوم أمام حزبين متباعدين أيديولوجيًا أكثر من أي وقت مضى، حيث تضاعفت نسبة الديمقراطيين “الليبراليين” والجمهوريين “المحافظين” منذ التسعينيات.
هذه الظاهرة، التي نرى فصولًا منها أيضًا في إيطاليا مع صعود “إخوان إيطاليا” (الوريث لحزب ما بعد الفاشية) أو في فرنسا حيث ساهمت حسابات الأحزاب التقليدية في “تطبيع” اليمين المتطرف، تطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يتخلى السياسيون عن الاستراتيجية الرابحة تاريخيًا؟
ماذا يقول لنا العلم؟
هنا يأتي دور العلم ليقدم لنا تفسيرات أعمق. في دراسة مهمة نُشرت في مجلة “Nature” عام 2022 بعنوان “الاستقطاب، الامتناع عن التصويت، ونظرية الناخب الأوسط”، يحدد الباحثون ثلاثة أسباب رئيسية قد تدفع المرشحين للابتعاد عن الوسط :
تكلفة التصويت واللامبالاة: عندما يتقارب المرشحان جداً في الوسط، قد يشعر الناخبون على الأطراف (اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف) باللامبالاة. بالنسبة لهم، كلا المرشحين “سيان”، والفروقات بينهما طفيفة لا تستحق عناء الذهاب للتصويت. هنا، قد يقرر المرشح الذكي أن التحرك قليلاً نحو طرفه “قاعدته الانتخابية” سيحفزهم ويضمن مشاركتهم، حتى لو خاطر بخسارة بعض الأصوات في الوسط.
خطر الأحزاب الثالثة: وجود أحزاب صغيرة متطرفة على الساحة يمثل تهديداً للأحزاب الكبيرة. فإذا تجاهل الحزب الكبير قاعدته المتطرفة، قد تذهب أصواتهم إلى هذا الحزب الصغير، مما يضعف فرصه في الفوز. هذا يجبر الحزب الكبير على تبني مواقف أكثر تطرفاً لإبقاء قاعدته موالية له.
استقطاب الناخبين أنفسهم: وهو السبب الأهم. ماذا لو لم يعد المصطافون موزعين بالتساوي على الشاطئ؟ ماذا لو تجمعوا في كتلتين كبيرتين على الطرفين، وتركوا المنتصف شبه فارغ؟ في هذه الحالة، يصبح التحرك نحو الوسط قراراً غبياً. المكان الذي يحتوي على أكبر عدد من الأصوات لم يعد في المنتصف، بل عند القطبين. وهذا ما يصفه الباحثون بـ “التوزيع ثنائي النسق” (bimodal distribution) للناخبين، وهو نتيجة مباشرة للاستقطاب المجتمعي الذي نعيشه.
إذن، فالسياسيون لا يبتعدون عنك لأنهم يكرهون الوسط، بل لأن “اللعبة” تغيرت. إنهم يتبعون الأصوات، وعندما تهاجر الأصوات إلى الأطراف، يلحقون بها.
بوصلتك في خضم العاصفة
قد يبدو هذا التحليل نظريًا، لكن كطبيب، أرى آثاره السريرية كل يوم. الاستقطاب السياسي ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو مصدر للإجهاد المزمن (Chronic Stress). فالشعور بالغضب المستمر تجاه “الآخر”، والخوف من المستقبل، والإحساس بأنك غير مفهوم أو معزول، كلها عوامل ترفع من مستويات الكورتيزول في الدم، وتؤثر سلبًا على صحة القلب والأوعية الدموية، وتضعف جهاز المناعة.
وقد أظهرت الأبحاث أن الأفراد الذين يشعرون بوجود استقطاب سياسي كبير في مجتمعاتهم يبلغون عن تدهور في صحتهم النفسية والجسدية. إن هذا الشعور بأنك “يتيم سياسيًا” كأن أياً من الأحزاب المطروحة لا يمثلك حقاً، فأحدهم متطرف جداً في اتجاه، والآخر متطرف في الاتجاه المعاكس. هذا الشعور ليس وهماً، بل هو الأثر النفسي المباشر للاستقطاب السياسي.
هذا الشعور بالإقصاء قد يؤدي إلى إحدى نتيجتين: إما السخرية والانسحاب الكامل من الشأن العام، أو الانجرار القسري نحو أحد القطبين المتصارعين، ليس عن قناعة، بل كنوع من اختيار “أهون الشرين”. كلا الخيارين ضار بالصحة النفسية للمجتمع والفرد.
وهنا تكمن دعوتي لك ولنفسي، بدلاً من أن تكون مجرد ورقة في مهب ريح الاستقطاب، اصنع بوصلتك الخاصة!
أولاً، افهم اللعبة: عندما ترى سياسياً يتبنى موقفاً متطرفاً، لا تنفعل عاطفياً على الفور. تذكر أنه قد لا يكون بالضرورة مؤمناً بهذا الموقف، بل هو يقوم بحركة استراتيجية محسوبة لإرضاء قاعدته أو لمواجهة خصمه. فهمك لـ “ما وراء الخطاب” يمنحك درعاً نفسياً ضد التلاعب العاطفي.
ثانياً، ابحث عن “شمالك الحقيقي”: في بيئة مستقطبة، من السهل أن نُعرّف أنفسنا من خلال “ما نحن ضده” بدلاً من “ما نحن معه”. لا تدع هويتك تتحدد بانتمائك لمعسكر “أ” الذي يكره معسكر “ب”. قبل أن تسأل نفسك مع أي حزب تقف، اسأل: ما هي قيمي الأساسية؟ ما هي المبادئ التي لا أتنازل عنها بغض النظر عن السياق السياسي؟ هذه المبادئ هي “شمالك الحقيقي” الذي يجب أن توجه بوصلتك نحوه.
ثالثاً، احتفِ باللون الرمادي: الاستقطاب يزدهر بالتفكير الثنائي (أبيض وأسود، معنا أو ضدنا). إن أقوى فعل مقاومة يمكنك القيام به هو أن تبحث بوعي عن التفاصيل والمواقف التي تقع في المنطقة الرمادية. اقرأ لمن يخالفك الرأي، ليس بهدف الرد عليه، بل بهدف فهمه. هذا التمرين لا يجعلك ضعيفاً، بل يجعلك حكيماً ومحصناً ضد التبسيط المخل الذي يغذيه التطرف.
إن نظرية الناخب الأوسط لم تمت، لكنها تمر بأزمة. فالشاطئ لم يعد مكاناً هادئاً للاستجمام، بل أصبح ساحة صراع عاصفة. وفي قلب هذه العاصفة، مهمتك ليست أن تنجرف مع التيار، بل أن تبني قارباً متيناً من الوعي والقيم، وتشق طريقك الخاص.
إذن، عندما أدعوك اليوم لبناء “بوصلتك الخاصة”، فهذه ليست مجرد نصيحة فلسفية، بل هي وصفة طبية وقائية. إنها دعوة لتقليل مصادر الإجهاد السام في حياتك، وحماية صحتك النفسية التي هي أساس صحتك الجسدية.”
لا تنسَ مشاركة هذا المقال إذا أعجبك. أتمنى لك أسبوعاً مريحاً. شكراً لوقتك!



