هل السلطة عذرٌ للوحشية؟
ابشتاين ووحشية الإنسان
في إحدى ليالي أثينا القديمة، طرح الفيلسوف “أفلاطون” في كتابه “الجمهورية” أسطورة مخيفة عن راعٍ بسيط يُدعى “جيجس”. عثر هذا الراعي في شق صخري على خاتم ذهبي غريب، اكتشف بالصدفة أنه يمنحه القدرة على الاختفاء عن الأنظار حين يديره نحو باطن كفه.
ماذا فعل هذا الراعي “البسيط” بهذه القوة الجديدة؟ هل نصر المظلوم؟ هل أعان الفقير؟
لا.. لقد تسلل إلى القصر، أغوى الملكة، قتل الملك، واستولى على العرش.
لم يغير الخاتم طبيعة جيجس، بل كشفها. لقد أزال عنه “خوف العقاب”، وحين يغيب الرقيب، يستيقظ الوحش الكامن. لم تكن هذه القصة خيالية، بل كانت أول تشخيص مبكر لما نراه اليوم يتصدر نشرات الأخبار والتسريبات.
حين يصاب الدماغ بـ “سكر السلطة”
لا بدّ أنّك سمعت بهذه الملفات التي تهز العالم ( ملفات ابستين). والسؤال الذي يصرخ في عقولنا: كيف يمكن لإنسان يبدو “ناجحاً” ومرموقاً أن ينحدر لهذا القاع الأخلاقي دون أن يرف له جفن؟
السلطة المطلقة ليست مجرد وجاهة اجتماعية، بل هي تغيير فيزيولوجي خطير يصيب الدماغ.
في الطب العصبي، هناك مصطلح صاغه اللورد ديفيد أوين (وهو طبيب وسياسي بريطاني) يُعرف بـ “متلازمة الغطرسة” (Hubris Syndrome). لكن الأمر يتجاوز مجرد “الغرور”.
أثبتت أبحاث حديثة في علم الأعصاب، قادها الباحث “سوخفيندر أوبهي” (Sukhvinder Obhi) في جامعة ماكماستر، حقيقة مرعبة: الأشخاص الذين يمارسون سلطة مطلقة لفترات طويلة يحدث لديهم ضمور وظيفي في نظام “الخلايا العصبية المرآتية” (Mirror Neurons).
هذه الخلايا هي المسؤولة عن “محاكاة” مشاعر الآخرين؛ هي التي تجعلك تتألم حين ترى طفلاً يبكي، أو تنكمش حين ترى شخصاً يتعرض للأذى. عند “مرضى السلطة”، يتوقف هذا النظام عن العمل. الدماغ يفقد قدرته على “الرنين العاطفي” مع البشر، فيتحول الناس في نظرهم من “بشر بآمال وآلام” إلى مجرد “أدوات” أو “أرقام” لتحقيق الرغبات.
هذا التفسير البيولوجي ليس “صك براءة”. فالشخص الذي يقود سيارته وهو مخمور يعاني من خلل في الإدراك بسبب الكحول، لكنه يتحمل المسؤولية الجنائية والأخلاقية الكاملة عن كل روح يزهقها. كذلك “سكر السلطة”، هو اختيار واعي للإنسان بأن يعزل نفسه، ويطفئ نداء ضميره، حتى يتعفن الدماغ. إنه ليس عذراً، بل هو “إدانة” إضافية بأنهم تخلوا عن إنسانيتهم طواعية.
أنت أيضاً.. احذر من “كرسي المدير”
قد تقول لي: “ما علاقتي أنا بملفات المليارديرات والسياسيين؟”. والحقيقة أننا جميعاً نملك “خاتم جيجس” صغيراً في جيوبنا.
السلطة ليست فقط حكماً ومالاً. السلطة هي أن تكون مديراً يملك قطع رزق موظف، أو زوجاً يتحكم في مصير زوجته، أو حتى معلماً يملك سلطة إهابة تلميذ صغير.
في كل مرة تشعر فيها أنك “فوق المحاسبة”، أو أن رغباتك أهم من مشاعر من هم تحت إمرتك، اعلم أن “خلاياك المرآتية” بدأت تضمر، وأنك بدأت تنزلق في نفس المنحدر الزلق.
الوحش لا يولد عملاقاً، بل يبدأ بقرارات صغيرة نتجاهل فيها ألم الآخرين لأننا “نستطيع” ذلك.
“مضادات السموم”: كيف تحمي دماغك؟
بصفتنا نسعى لحياة طيبة، كيف نحمي أنفسنا من هذا “التلف الدماغي” الأخلاقي؟ الترياق يكمن في ثلاث جرعات:
ابحث عن “موقظي النعاس” (Toe-holders):
في التاريخ، كان مساعدو القياصرة يهمسون في آذانهم: “تذكر أنك فانٍ”. أحط نفسك بأشخاص (زوجة، صديق مخلص) يملكون الجرأة لقول “لا” في وجهك، وينبهونك حين تتجاوز حدودك.تدريب “عضلة” التعاطف:
التعاطف ليس مجرد شعور، بل مهارة عقلية. تعمد يومياً أن تضع نفسك مكان شخص “أقل منك سلطة” (النادل، الحارس، الموظف الجديد). تخيل حياته، مخاوفه، وأحلامه. هذا التمرين يجبر “الخلايا المرآتية” على العمل ويمنعها من الضمور.تذكر “زوال الخاتم”:
دوام الحال من المحال. تعامل مع كل سلطة تملكها على أنها “أمانة مؤقتة” ستُسأل عنها، وليست “حقاً مكتسباً” للأبد.
الدرس الأكبر من هذه الملفات المظلمة ليس فقط في فضح الأشرار، بل في تذكيرنا بهشاشة النفس البشرية. الفضيلة ليست في “عدم امتلاك القدرة” على الشر، بل في امتلاك “الخاتم” واختيار عدم استخدامه إلا للخير.
لا تسمح لكرسي، أو منصب، أو مال، أن يسرق منك أجمل ما فيك: قدرتك على الشعور بالآخرين.




مقال رائع فعلا