كل شيء كان أفضل، عندما كان كل شيء أسوء!
اختياراتي مدمرة حياتي
مرحباً بكم في موضوع فَذلَكة لليوم، اليوم موضوعنا من وحي الواقع ولربما من وحي كل يوم في حياتي وحياتك. سأقوم وقبل كل موضوع بإضافة الوقت المتوقّع للقراءة لتستطيع من خلال هذه المعلومة أن تعرف كم من الوقت وسطياً يلزمك وكم عليك تخصيصه لقراءة فَذلَكة الأسبوع!
وقت القراءة المتوقّع: ٥ دقائق فقط.
كل شيء كان أفضل، عندما كان كل شيء أسوء!
“سقا الله تلك الأيام، كنا حينها أكثر سعادةً على الرغم من أننا لم نكن نملك كل هذه الوسائل والإمكانيات”
أعتقد أنّك ولو لمرةٍ واحدةٍ في حياتك قد سمعت شخصاً، غالباً أكبر منك سناً يقول ذلك، أو لربما أنت نفسك قد قلت ذلك مرةً (انتبه أصبحت كبيراً في السن إذاً)
قبل البدء بالموضوع، أهديك هذه الأغنية المميزة :-)
اختياراتي مدمرة حياتي!
كتبت سابقاً عن السعادة وما الأشياء التي قد تساعدك على الحصول عليها. ( راجع الموضوع، مهم جداً) لكن من الأشياء التي ما زلت أحاول إيجاد الإجابة لها هي موضوع الخيارات.
تخيّل معي هذا الموقف، ترغب في عطلة الأسبوع الذهاب لشراء حاجيتك للأسبوع القادم ومن بين الأمور التي ترغب بشرائها، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الحليب. تصل إلى مكان الحليب، لتجد منه أنواعاً كثيرة: خال الدسم، منخفض الدسم، كامل الدسم، خالٍ من اللاكتوز، حليب بقر، حليب ماعز، حليب غنم لا تقف الخيارات عند الحيوانات بل تتعداها إلى النباتات أيضاً! حليب الصويا، حليب البندق، حليب جوز الهند، حليب اللوز… والقائمة تطول…
طبعاً هذا كان صنف واحد (حليب) من ماركة واحدة. لم نتحدث عن خياراتك من الماركات المختلفة. ولا عن خياراتك الأخرى التي تكون مجبر بطريقة أو بأخرى على اتخاذها، من مثال السوبر ماركت السابق، وحتى الخيارات الأكبر في الحياة مثل البيت، السيارة، الشريك، العمل ومكان السكن.
ولعلّك تجد هذا الأمر جيداً، ولربما هو جيد أصلاً! لكن دعنا نفكر أكثر قليلاً
لا داعي أن نتحدث عن الأسباب التي تجعل هذا الأمر جيداً. لذلك دعنا نتحدّث لماذا قد يكون هذا الأمر سيئاً وكيف يمكنك التعامل معه!
الشلل!
شلل الاختيار (Choice Paralysis) هو مصطلح يشير إلى الحالة التي يصل فيها الشخص إلى عدم القدرة على اتخاذ قرار نهائي بسبب وجود عدد كبير من الخيارات المتاحة له، وتعرف هذه الحالة في كتاب "The Paradox of Choice" للكاتب باري شوارتز.
والذي أدعوك إلى مشاهدة فيديو مهم جداً جداً من الكاتب نفسه على TED Talks:
المشكلة تنشأ عندما تزداد الخيارات بشكل كبير لدرجة تصبح الصعوبة في اتخاذ القرار أكبر من الفائدة المرجوّة منها، فبدلاً من أن يشعر الشخص بالحرّية والرضا بسبب امتلاكه للكثير من الخيارات، يشعر بالضيق والتوتر بسبب تعدد الخيارات وحاجته لاتخاذ قرارات صحيحة.
أسباب هذا الشلل
الخوف من اتخاذ القرار الخاطئ والندم فيما بعد.
عدم وجود معلومات كافية عن الخيارات المتاحة.
عدم الثقة بقدرة الشخص على اتخاذ القرارات الصحيحة.
اتخاذ القرارات السابقة التي لم تكن جيدة، مما يزيد من الخوف والتردد.
تعدّد الخيارات والمعلومات والتفاصيل التي يجب مراعاتها قبل اتخاذ القرار.
سأعطيك بعضاً من الأمثلة عن هذا الموضوع والتي تمس حياتك وحياتي بلا أدنى شك:
اختيار الهاتف الذكي الذي يلائم الاحتياجات الخاصة بالشخص.
اختيار الملابس المناسبة لحدث معين.
اختيار الأكل في مطعم يتوفر به العديد من الخيارات.
اختيار المكان المناسب للسفر في العطلات.
سأخصّص وقتاً للبحث وأجد الخيار الأنسب
تقوم بتأجيل اتخاذ هذا القرار يوماً، ثم يومين، ثم تعتقد أنّك وجدتّ حلاً: “يحتاج ذلك لوقتٍ كافٍ وأنا لا أملكه الآن، حالما تتسنّى لي الفرصة، سأحضّر فنجاناً من القهوة الرائعة وأجلس في غرفة لوحدي أبحث في كلّ هذه الخيارات لأجد الأنسب واختاره. على الأرجح في العطلة القادمة.” لكن يستمر التأجيل يوماً بعد يوم وعطلة بعد عطلة حتى فوات الأوان.
وبالتالي وللأسف تحدث خسارة كبيرة سواءٌ مادية أم معنوية (وقت، جهد، مشاعر) بسبب عدم قيامك باتخاذ القرار حينها. وتستمر هذه الحلقة الشيطانية: خيارات كثيرة، تأجيل، ضغط اتخاذ القرار، شلل لتعود وتتكرّر.
يا ترى، هل كان الخيار الثاني أفضل؟
ومع كل هذه العروض والخيارات لتختار منها، ستجد نفسك بعدها غير راضٍ عن الخيار الذي اتخذته لحدٍ كبير، مهما كان الخيار. لأنّه من السهل جداً أن تفكّر أنّك من الممكن أن تكون أكثر رضاً لو أنّك اخترت الخيار الثاني الذي يتمتّع على العديد من الميزات الأخرى، وبالتالي تشعر بالندم أيضاً حتى لو كنت راضٍ عن خيارك الأول ويقلّل من مدى رضاك عن خيارك مهما كان!
سقف التوقعات!
لنقل أنّك ترغب في شراء جينز (بنطال) وتذهب لأحد المتاجر أو تتصفح عبر الإنترنت لشراءه. ستُفاجئ بالكم الهائل من الخيارات المتوفّرة من اللون نفسه (Slim fit, Regular fit, Tapered, high waist, low waist…)ومع كل هذه الخيارات يتزايد لديك الشعور بأنّ عليّ الحصول على أفضل بنطال جينز ممكن، لا يمكن مع كل هذه الخيارات أن أحصل على جينز غير مريح أو غير مناسب.
يرتفع سقف التوقعات لدينا مع ازدياد عدد الخيارات المتوفّرة، وستقول لنفسك لقد حصلت فعلاً على بنطال جيّد لكنّه للأسف ليس المثالي، وبالمحصلة ستخرج أقل رضاً وسعادةً فيما لو كان هناك خيار واحد فقط!
من المسؤول؟
تبدأ بعدها عملية جلد الذات، فمع توافر خيار واحد أو خيارات قليلة جداً وإذا لم تحصل على ما كنت تتوقّعه فإنّك لست الملام، بل تقول لنفسك: “ لا يوجد سوى هذا الخيار، ما الذي يمكنني القيام به”. لكن ومع توفّر عدد هائل من الخيارات ومع ذلك لم تكن راضٍ عمّا اخترت، فستقول حتماً لنفسك: “هل يعقل ألا أجد خياراً مناسباً مع كل هذه البدائل؟ كان بإمكاني الحصول على شيء أحسن، أتحمّل أنا كامل المسؤولية!”
يرى باري شوارتز أنّ هذا الأمر من أحد أهم أسباب انتشار الاكتئاب في المجتمعات الحديثة، حيث تكون توقعات الفرد عالية، يمرّ بتجارب عليه الاختيار منها، لا يكون راضٍ عمّا اختاره للأسباب سابقة الذكر، يبدأ بلوم نفسه.
إذا كنت تجد مواضيع فَذلَكة مفيدة ومهمة، أتمنى منك أن تشاركها مع من قد تهمه هذه الأمور وأن تشترك في هذه القائمة البريدية مجاناً:
بعد كل هذه المشاكل، ما الحل؟
إعادة التوزيع
لعلّ هذا من الطرق التي تساعد على حلّ هذه المشكلة، فكلما تحدّثت عنه أعلاه يواجه الإنسان في المجتمعات الغنية والتي تتيح بالتالي الحصول على خيارات أكثر. لكن علينا ألا ننسَ أنّ هناك مجتمعات لا تملك ولا ١٪ من هذه الخيارات. وبالتالي فإنّ توزيع الثروة (الخيارات) على هذه المجتمعات سيجعلها بكل تأكيد أفضل حالاً، وسيجعل المجتمعات الثرية أكثر سعادةً وأفضل حالاً أيضاً!
لكن كيف تتخلّص أنت من هذا الموضوع؟
نصائح سريعة لمساعدتك على تجنّب هذه الحلقة المفرغة:
يوصي الكاتب بضرورة تقليل سقف التوقعات ورفع مستوى القبول للخيارات المتاحة، والتركيز على العناصر الأساسية التي يبحث عنها الشخص بدلاً من البحث عن الكمال المطلق. بمعنى آخر، يجب على الشخص تحديد ما هي الأهمية الأساسية التي يريد تلبيتها من الخيارات المتاحة، وعند اختياره لأحد الخيارات، يجب عليه التركيز على الجوانب الإيجابية التي تتوافق مع احتياجاته وتفادي البحث عن الكمال المطلق. وعندها يصبح الشخص أكثر رضاً وسعادة بقراراته ويتجنب شلل الاختيار.
اتخذ القرارات الصغيرة بسرعة، لتدرّب نفسك على اتخاذ القرارات دون التفكير المفرط. يبدو هذا الأمر مرعباً في البداية لكنّك ستعاد عليه وهذا هو الهدف، البدء بالتدريج من القرارات الصغيرة إلى الكبيرة. أمثلة على القرارات الصغيرة: اختر مطعماً دون البحث ضمن المراجعات والتقييمات، اختر مسلسلاً أو فلماً لمشاهدته دون قضاء ساعات قبل ذلك في البحث عن المسلسل والفلم الأفضل.
أعطي نفسك موعداً نهائياً للاختيار: يجب عليّ اليوم اختيار الحذاء الذي سأشتريه دون البحث عن أفضل حذاء لعام ٢٠٢٤!
اِبْنِ ثقتك بنفسك: فكما قلنا تؤدي الخيارات الكثيرة في نهاية المطاف إلى لوم الذات، لذلك عليك ترك ذلك والتفكير بالأشياء التي تعلّمتها من اختياراتك السابقة لتساعدك على تحسين خياراتك في المستقبل، انظر للخيارات القادمة على أنّها فرصة للتعلّم أيضاً!
وأخيراً خذ قسطاً من الراحة من زحمة هذه الاختيارات المتتالية، واقرأ كتاباً جيداً تعرفه أو اقضي وقتاً مع شخصٍ ترتاح معه.
وأخيراً شكراً لك ولوقتك، لا تنسَ الإطلاع على المواضيع السابقة، ومتابعة المواضيع اللاحقة من فَذلَكة.




