فيا ليت الشباب يعود يوماً
مرحباً بكم في مواضيع جديدة من “فَذلَكة”. أتمنى أن تقضي “وقتاً” ممتعاً هنا!
مواضيع اليوم
فيا ليت الشباب يعود يوماً
اقتباس
فيا ليت الشباب يعود يوماً
“العمر كله”، “الآن أصبحت كبيراً”، “العمر مجرد الرقم، والروح روح شباب”
قرأت أو سمعت هذه العبارات وغيرها من العبارات في العديد من المناسبات ولربما قرأتها حتى على كروت المعايدة. لكن هل خطر ببالك أن تعرف متى أصبحت “أكبر سناً ”؟
إذا سألك أحدهم وفي حديثٍ عامٍ في إحدى الجمعات مع الأصدقاء كم عمرك؟ فإنّك على الأغلب وكحال ال ١,٥٠٠ مشارك في هذه الدراسة، ستميل لأنّ تعطي عمراً أصغر من عمرك (بحسب هذه الدراسة فإنّ المشاركين أعطوا عمراً أصغر بـ ٢٠٪ من عمرهم الحقيقي)
بَكيتُ عَلى الشَبابِ بِدَمعِ عَيني ———- فَلَم يُغنِ البُكاءُ وَلا النَحيبُ
فَيا أَسَفا أَسِفتُ عَلى شَبابِ ———- نَعاهُ الشَيبُ وَالرَأسُ الخَضيبُ
عَريتُ مِنَ الشَبابِ وَكانَ غَضّاً ———- كَما يَعرى مِنَ الوَرَقِ القَضيبُ
فَيا لَيتَ الشَبابَ يَعودُ يَوماً ———- فَأُخبِرُهُ بِما صَنَعَ المَشيبُ
أبو العتاهية - شاعر من العصر العباسي
لكن لماذا؟
لعلّ أحد التفسيرات المنطقية لهذا الموضوع هو ما قرأته هنا، وهو وباختصار، محاولة الناس فصل نفسهم عن الأشخاص الكبار في السن والذين غالباً ما يرتبط ذكرهم بالضعف واحتمالية التعرض الأكبر للأمراض والعدوى.
متى تصبح “مسنّا” أو “كبيراً في السن”؟
تذكّر معي عندما كنت في السنة الأولى في الجامعة أو في المدرسة وكنت تنظر إلى الطلاب الذين تخرجوا وأنهوا دراستهم. ماذا كنت تشعر؟ كنت تشعر بكل تأكيد أنّهم أكبر سناً منك بكثير. لكن وبعد أن أنهيت دراستك في المدرسة أو تخرّجت من الجامعة وجدت نفسك لم تتغير ولم تكبر. لكنك مازلت تجد الطلاب المتخرجين عندما كنت في السنة الأولى أكبر منك سناً. أليس هذا غريباً؟
يتعلّق ذلك بمنظورك بشكلٍ خاص. فعندما كنت في السنة الأولى كنت تنظر فعلاً لأشخاص أكبر منك في السنة الأخيرة من الدراسة. لكن عندما أصحبت أنت في السنة الأخيرة وجدت نفسك لم تتغيّر (كما كنت في السنة الأولى) لكن مازلت تنظر إلى أولئك الأشخاص بعين طالب السنة الأولى.
ولنتحدّث عن المنظور أكثر ، وأستطيع الإجابة على سؤالك عليّ معرفة عمرك أولاً الآن. فحسب دراسة قام بها Pew وجدت أنّ الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ال ١٨-٢٩ يرون أنّ كبر السن يبدأ بعمر الـ ٦٠ عاماً. لكن عند سؤال الأشخاص الأكبر سناً (متوسطي العمر) كانت الإجابة مختلفة، ٧٢ عاماً؛ وكانت إجابة الأشخاص الأكبر من عمر ال ٦٥ أنّ أحدنا يصبح “كبيراً في السن” عندما يصبح بعمر الـ ٧٤.

لكن ولتعرف أهمية المنظور في هذا الموضوع، ولأزيدك من الشعر بيتاً، وجدت دراسة في مجلة علم الشيخوخة لجامعة أكسفورد لعام ٢٠٢٢ ارتباطاً بين منظورنا لعمرنا وبين الضغط النفسي والصحة الجسدية، وكلما كانت صورتنا الذاتية عن عمرنا سلبية أكثر كلما زاد التوتر أكثر!
الوقت يطير، عندما نكبر
هل أحسست أنّ هذا العام لم يكن سوى لمحة بصر، البارحة كانت بداية السنة الجديدة وقبل يومين على الأكثر قمت بكتابة مخططاتك للعام القادم. وها أنت تنظر إلى التقويم لترى أنّه لم يتبقى على انتهاء هذا العام سوى ٥ أسابيع فقط!
ولماذا كان الوقت أبطأ بكثير عندما كنا أطفالاً؟
تشير الدراسات من الخبراء إلى أنّ منظورنا للوقت أيضاً يختلف مع تقدمنا في السن.
يتغير منظورنا للوقت بتغير ذكرياتنا وتجاربنا. يشكّل الأسبوع بالنسبة لطفل عمره ٨ سنوات قسماً لا يستاهن به من حياته بينما يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لمسنٍ في الثمانيات من عمره!
ويتعلّق ذلك كثيراً بالتجارب التي نخوضها، فلم تتغيّر الحياة كثيراً بالنسبة للجدّ المسن بعمر ٧٩ عن عمر ال ٨٠، بمعنى أنّه لم تحدث الكثير من الأحداث على حياته الشخصية، وبالتالي فعند مراجعتهم للوقت، فإنّهم ينظرون إلى تجارب أقل وبالتالي يبدو الوقت يمرّ سريعاً.
“يسجّل دماغنا التغيّرات” بحسب قول البروفيسور أدريان بايان صاحب كتاب “Time And Beauty: Why Time Flies And Beauty Never Die “
يختبر الطفل في يومه الواحد الكثير من التجارب المميزة: تعلّم أشياء جديدة، الذهاب إلى منزل صديقه الجديد، لعبة جديدة مهداة إليه…ألخ. وبالتالي وعند النظر إلى الوقت من منظوره فيرى الوقت بطيئ ومليئ بالتجارب والأحداث.
أما بالنسبة لنا كأشخاصٍ أكبر سناً من الأطفال، وعندما ننظر إلى فترة زمنية خضنا فيها الكثير من التجارب، فإننا نميل لأن نرى الكثير من الذكريات مما يجعلنا أن نشعر أنّ الوقت أطول!
كيف تبطئ الوقت
بناءً على ما قيل سابقاً هناك طريقة للقيام بذلك، وذلك عن طريق تجربة أشياء جديدة باستمرار والخروج من روتينك المعتاد.
قد يعني ذلك قيامك باسترجاع هواية لك عندما كنت طفلاً (رقص، رسم، تخطيط…)، قيامك برحلة سريعة إلى مدينة لم تزرها من قبل، تسجيل في دورة تعلّم رقص أو حتى طبخ. فتعلّمك لأشياء جديدة هو من أفضل الطرق التي تجعلك تشعر أنّ الوقت يمر ببطئ!
ويرى البروفيسور بايان أن العيش تحت روتين ثابت ومستمر هو أكبر كفيل بجعل الوقت يمر بسرعة دون أن نشعر به!
إذاً هل مشكلتنا هي مع السنين فعلاً، أما أنّ مشكلتنا مع ذاتنا، ومع ذاتنا وحسب؟ هل تلحق بنا كل الأحلام المحطّمة والمخططات المكتوبة لتقول لنا: لقد أصحبت في الثلاثين من العمر لماذا لم تستطع تحقيق ذلك؟ هل هي آمال الطفولة بتغيير العالم لمكانٍ أفضل أم هي شغف المراهقة الخامد بتحقيق النجاحات المتتالية ما يجعلنا نخاف كل هذا الخوف من أن نصبح أكبر سناً؟
ماذا عن خوفنا من المرض وخوفنا من وصمة العار التي تلحق بالمسنين والعجزة؟ وماذا عن الخوف الأكبر، الخوف من الموت؟
صراحةً لا أستطيع أن أجيب عنك؟ لكن عن نفسي أستطيع أن أقول ولكل الأسئلة: نعم!
وتذكّر أنّك لا تعرف كم يومٍ ستعيش، لكنّك تعرف تماماً أنّك قادر على التحكم بالطريقة التي تقضي فيها وقتك!
إذا كنت ترى مواضيع فذلكة مُفيدة وملهمة لا تنسَ مشاركتها مع أصدقائك
واشترك مجاناً لتصلك مني كل أسبوع رسالة الكترونية، أعدك أن تكون مُلهمة!
ولا تنسَ مراجعة المواضيع السابقة وخاصةً موضوع “لا وقت للوقت” فبالطبع سيهمّك!
اقتباس وقفت عنده
أنا فنان بما فيه الكفاية لأرسم بحرية في مخيلتي. الخيال أكثر أهمية من المعرفة. المعرفة محدودة. الخيال يحيط بالعالم.
ألبرت آينشتاين
فالعب في هذا الكون الفسيح دور الفنان، ولو بفكرك شراع الخيال البعيد. لينكشف أمام عقلك المتجدد المشهد الكوني لترتبط الأفكار وتتشابك المعرفة مع الخيال بخيوط الأحلام الواسعة
شكراً لوقتك وإلى الأسبوع القادم


